السيد صادق الموسوي

142

تمام نهج البلاغة

لَهُ عَنْهُمْ ، وَمُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ ( 1 ) عَلَيْهِمْ ، وَانْقَادَتِ النَّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ ، مِنَ الِاجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ ، وَاللُّزُومِ لِلأُلْفَةِ ، وَالتَّحَاضِّ عَلَيْهَا ، وَالتَّوَاصي بِهَا ، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ ، وَأَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ ، مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ ، وَتَدَابُرِ النُّفُوسِ ، وَتَخَاذُلِ الأَيْدي . وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ قَبْلَكُمْ ، كَيْفَ كَانُوا في حَالِ التَّمْحيصِ وَالْبَلَاءِ . أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءً ، وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءً ، وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالًا . إِتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبيداً ، فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ، وَجَرَّعُوهُمْ جُرَعَ الْمُرَارَ ، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ في ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ ، لَا يَجِدُونَ حيلَةً فِي امْتِنَاعٍ ، وَلَا سَبيلًا إِلى دِفَاعٍ . حَتّى إِذَا رَأَى اللّهُ - سبُحْاَنهَُ - جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الأَذى في محَبَتَّهِِ ، وَالِاحْتِمَالِ للِمْكَرْوُهِ مِنْ خوَفْهِِ ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً ، فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ ، وَالأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكّاماً ، وَأَئِمَّةً أَعْلَاماً ، وَبَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ اللّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ ( 2 ) الآمَالُ إلِيَهِْ بِهِمْ . فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَةً ، وَالأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً ( 3 ) ، وَالْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً ، وَالأَيْدي مُتَرَادِفَةً ( 4 ) ، وَالسُّيُوفُ مَتَنَاصِرَةً ، وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً ، وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةً . أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً في أَقْطَارِ الأَرَضينَ ، وَمُلُوكاً عَلى رِقَابِ الْعَالَمينَ . وَانْظُرُوا إِلى مَا صَارُوا إلِيَهِْ في آخِرِ أُمُورِهِمْ ، حينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ، وَتَشَتَّتَتِ الأُلْفَةُ ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالأَفْئِدَةُ ، وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفينَ ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبينَ ، قَدْ خَلَعَ اللّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كرَاَمتَهِِ ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نعِمْتَهِِ ، وَبَقّى قَصَصَ أَخْبَارِهِمْ فيكُمْ ، عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرينَ مِنْكُمْ . فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وُلْدِ إِسْمَاعيلَ ، وَبَني إِسْحَاقَ ، وَبَني إِسْرَائيلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الأَحْوَالِ ، وَأَقْرَبَ اشتْبِاَهَ الأَمْثَالِ . تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ في حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ ، لَيَالِيَ كَانَتِ الأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ ، يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ ريفِ الآفَاقِ ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ ، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا ، إِلى مَنَابِتِ الشّيحِ ، وَمَهَافِي ( 5 ) الرّيحِ ، وَنَكَدِ الْمَعَاشِ ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكينَ ، إِخْوَانَ دَبَرٍ وَوَبَرٍ .

--> ( 1 ) - فيه . ورد في نسخة العام 400 ص 263 . ونسخة ابن المؤدب ص 187 . ونسخة نصيري ص 122 . ونسخة الآملي ص 225 ونسخة ابن أبي المحاسن ص 262 . ونسخة الأسترآبادي ص 302 . ونسخة عبده ص 431 . ونسخة العطاردي ص 296 . ( 2 ) - تبلغ . ورد في هامش نسخة الأسترآبادي ص 303 . ونسخة عبده ص 432 . ( 3 ) - متّفقة . ورد في متن منهاج البراعة ج 11 ص 354 . ومتن بهج الصباغة ج 11 ص 114 . ونسخة عبده ص 432 . ( 4 ) - مترافدة . ورد في نسخة نصيري ص 112 . ونسخة الآملي ص 225 . ( 5 ) - مهابّ . ورد في هامش نسخة ابن المؤدب ص 189 . ونسخة ابن أبي المحاسن ص 263 . ونسخة الأسترآبادي ص 304 .